التعصب أصل التشرذم

آخر تحديث : الإثنين 9 مايو 2016 - 9:09 صباحًا

image

بقلم الأستاذ مأمون إدريس

لا انفصال للتعصب عن تاريخ البشر،حيث يتلازم مع الأحداث الكبرى،مسببًا أو مصاحبًا لها.وقد يكون التعصب للاراء والمذاهب والأعراق عاملًا رئيسًا في اشتعال الحروب وتكوين الديناميكية التاريخية. التعصب هو المبالغة المتطرفة في الايمان أو التبعية لمبدأ ما.بيد أن الفرق بين التعصب والايمان كبير.ولقد اهتم الاسلام بالايمان وهدف لتكوين ايمان لا يتحول في نفوس الناس الى تعصب متطرف اعمى أو اتباع مذموم،لأنه اعتقاد واعٍ متبصر بينت النصوص المتعلقة به علامات الهداية والإنارة للعقول،فهو يجمع للإنسان بين وسائل القوة الداعمة كالتفكير والتأمل والاعتبار والتدبر والاستقراء والحوار والمشاهدة،وبين قيامه على حرية الاختيار وتميز بالتسامح وسعة الصدر. إن المسلمين منذ مطلع تاريخهم ما لبثوا أن تفرقوا شيعًا وأحزابًا،وبدلًا من أن يقوم بينهم حوار العقل وان يسود خلافاتهم التسامح والأخوة (لأن المعين واحد)،اندفع كل حزب في طريق التعصب،وكانت النتيجة اشتعال الحروب بينهم وتأصل العداوة في نفوسهم وتوارث الأجيال الأحقاد،وأخذت تظهر تبعًا لوسائل الإثارة والقدرة أو تختفي تحت سيطرة جهة على أخرى. وجوه التعصب كثيرة،منها المذهبي وهو ما برز في تاريخنا بين أهل السنة وبين كل من الشيعة والخوارج،وبين الأشاعرة والمعتزلة والماتردية وبين الصوفية والفقهاء.وأدى التعصب الى انغلاق كل طائفة على ما لديها دون محاولة لفهم الآخر؛اتهامات،ادانات،استعداء السلطة لاسكات الغير أو التنكيل اذا تهيأت الظروف كموقف المعتزلة ضد خصومهم في عهد المأمون،والتعصب داخل كل فرقة كما لدى الشيعة أو لدى الفقهاء عندما انقسموا الى مذاهب وانغلاق المقلدين على مذهبهم،مما ادى الى التصارع والمحاربة أحيانًا،فقد روى المقدسي في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم”،أنه شاهد في بخارى قتال الأحناف والشافعية يدور في شوارع المدينة،وفوجئ بوجود إمامين منهما في المسجد،يؤم كل واحد أتباع مذهبه في ناحية. إن المتعصب لمبدأ ما يعطي لنفسه حقوقًا يحرم منها الآخرين،ويسعى لفرض ارائه ومحاربتهم دونها.وقد كان الرمي بالفاظ:الكفر،الفسق، البدعة،الزندقة،الجهل،الغباء، الضلال؛هو أسلوب التعصب الذي أوصى القرآن بنبذه ومنع النبي أن يُسمِ المسلم أخاه بالكفر. المشكلة ضاربة بجذورها في مجتمعاتنا من قديم،ومتصلة عبر تاريخها.وتأتي خطورتها اليوم باتساع آفاق المعرفة،وأصبح نزاع المسلمين فيما بينهم وبالًا عليهم ،نظرًا لوضعهم الحرج  من الداخل والخارج. ومع الاتفاق أو المعارضة لهذا التعدد أو التشرذم، كل حسب نظرته،ومع الاختلاف لطرائق الحلول، يمكن القول أن لا يُمنع أحد من ابداء رأيه،فلو مُنع في مكان،يمكنه أن يعلنه في مكان آخر،فمسببات التعصب من هذا الباب لم تعد قائمة.فهذا العصر قادر على استيعاب الكثير من الأفكار دون التصادم بين أصحابها .والمطلوب فقط حوار بناء ومناقشة على أسس ثابتة وتحديد واضح للأهداف من البداية. والأسئلة كثيرة ؛كيف يبدأ حوار المختلفين في الرأي؟ كيف تُجرى المناقشات؟ كيف تُحدد الأهداف؟ كيف ومتى يكون التنازل؟ وكيف الإستفادة من التعددية في وجهات النظر؟ بأي أسلوب يصبح الاختلاف للأفكار طريقًا إلى إثراء الموضوع؟ أسئلة في صميم عمل أصحاب الشأن من أولي الأمر،من حكام أو علماءأو فقهاء أو دعاة أو أئمة …،بالاشتمال على مناهج البحث واداب المناظرة وما تتحلى به من روح التسامح وسعة الأفق.

وأخيرًا؛ ما ان تلتقي بأشخاص،إلا ويصل الحديث لأوضاع البلدة والأمة،ويُساق الحديث -على انعدام المعرفة-لمواضيع شتى يكون للسياسة والتاريخ والدين على وجه الخصوص نصيب وافر فيها،وترى التعصب المتشدد المنغلق للرأي والمذهب واضحًا… وهو ما دفعني لكتابة كلمتي هذه .

رابط مختصر

أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة معاينة موقع سرى 48 الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

المصدر :http://www.sra48.com/?p=299